|
بسم الله الرحمن الرحيم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
((يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة و خلق منها زوجها و بث منها رجالا كثيرا و نساء و اتقوا الله الذي تساءلون به و الأرحام إن الله كان عليكم رقيبا))
لقد أشرق الإسلام بآدابه و تعاليمه الخالدة, فأمر كل خير و جدَ في الأخلاق ألأصيله, و غسلها مما علق بها خلال القرون من ألاوضار الدخيلة, ثم أكملها بما أوحى به رب لذا فقد اجمع الأنبياء و الرسل قاطبة على الديانة بالتوحيد في مللهم, و على حفظ المال و النفس و النسب, و حفظ العقل و العرض فكل ما يتضمن حفظ هذه الأصول الستة فهو مصلحه, و كل ما يفوت هذه الأصول فهو مفسده, و دفعها مصلحه, و لأجل هذا حد السكر لحفظ العقل, و حد الزنى لحفظ العرض, و حد السرقة لحفظ المال, و عقد النكاح لحفظ الدين و النسب.
فالنكاح عباده يستكمل بها المسلم دينه, ويلقى بها ربه يوم القيامة على أحسن حال من الطهر و العفاف, فعن انس رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ((إذا تزوج العبد فقد استكمل نصف دينه فليتق الله فيما بقى))
و في كثرة النسل من المصالح الخاصة و العامة ما يساعد ألامه على تكثير سواد أفرادها لما في ذلك من فخر النبي صلي الله عليه و سلم إذ قال : تزوجوا الولود الودود, فإني مكاثر بكم الأمم يوم القيامة. رواه النسائي و أبي داود. و في روية أخرى عن أبو إمامة رضي الله عنه: تزوجوا فإني مكاثر بكم الأمم يوم القيامة, و لا تكونوا كرهبانية النصارى. صححه الألباني
و هذا حث من نبينا عليه أفضل الصلاة و السلام على الزواج و روي الترمذي عن أبي أيوب رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : أربع من سنن المرسلين الحياء, و التعطر, و السواك, و النكاح. قال الترمذي حديث حسن صحيح.
إن في البلاد المسلمة اليوم, مشكله من أعضل المشاكل و أعمقها أثرا في حياة ألامه المسلمة اليوم, إنها مشكلة الزواج, و التي تتلخص في كلمات, هي أن المسلمين آلافا مؤلفة من البنات في سن الزواج, لا يجدن الخاطب, و آلافا من الشباب لا يجدون البنات, أو لا يريدون الزواج.
و هذه المشكلة الظاهر, أن لم ينتبه إليها المسلمون, و يفتحوا لها طرق العلاج بالحلال, فإنه لن يجد الشباب للوصول إلى شهواتهم إلا شق طريق الحرام و العياذ بالله, و أن الفساد الخلقي سبب في قلة الزواج و قلة الزواج سبب في الفساد الخلقي, كما قال القائل:
لولا مشيبتي ما جفا لولا جفاه لم أشب
إن الوقدة من ضرم الشهوة, في أعصاب الشباب المسلم, هي داء الشباب في كل حين, و لطالما أرقت الكثيرين صغارا و كبارا, و لطالما صرفت عن دروسه التلميذ, و عن عمله العامل, و عن تجارته التاجر, و كل هذا طبيعي معقول, و لكن الذي لا يكون أبدا طبيعيا و لا معقولا, أن يحس الفتى و الفتاة بهذا كله, في سن الشباب ثم يضطرهما المجتمع بأسلوبه على مختلف المحاور, إلى البقاء على العزوبة و الاحتراق بنارها, و الصدود عن الزواج, من حيث يشعر أو لا يشعر و هذه هي المشكلة و هي مكمن الداء.
و لربما كانت بعض المجتمعات, تقول للشاب بلسان حالها:
أختر إحدى ثلاث, كلها شر, و لكن إياك إياك أن تفكر في الرابعة التي هي وحدها الخير, و هي, الزواج,
و هذه الثلاث :
إما الانطواء على النفس و على أوهام الشهوة, و التفكير فيها, و تغذيتها بالروايات الرخيصة, و أحلام اليقظة, و رؤى المنام, حتى ينتهي به الحال إلى الهوس, أو انهيار أعصابه, و لسان حاله يقول للمجتمع:
ألقاه في اليم مكتوفا وقال له إياك إياك أن تبتل بالماء
و أما اللجوء إلى طرق سرية خفية, لإبراز غلة الشهوة, و التي حرمها جمهور أهل العلم عملا بقوله تعالى (( فمن ابتغى وراء ذلك فأولئك هم العادون))و أما الاغتراف من حمأة اللذة المحرمة, و سلك سبل الضلال, لتبذل فيها الصحة والشباب في لذة عارضة, و متعة عابرة, ثم هو لا يشبع بل كلما واصل واحدة, زادة الوصال نهما, كشارب الماء المالح لا يزداد شربا, إلا ازداد عطشا.
و هذا كله, نتيجة ما نحسه اليوم من جمود في حركة الزواج, حتى اصبحت العزوبة الممقوتة أصلا لدى عدد من الشباب ليس بالقليل, و التي تبعها بعد ذلك اضطراب الأقيسة الاجتماعية في طريق اختيار القرينة, عندما يرغب الشباب في الحياة الزوجية, والزواج ينبغي ألا يكون قضاء وطر و إدراك شهوة فقط, و لكن ينبغي أن يكون امتدادا الأمة تحمل رسالة نبيها صلى الله عليه و سلم, و بناء لأجيال تقيم الصلاة و تؤتي الزكاة, و تأمر بالمعروف, وتنهى عن المنكر قال تعالى (( و الذين آمنوا و اتبعتهم ذريتهم بإيمان ألحقنا بهم ذريتهم)) و قال جل ذكره (( و الذين يقولونا ربنا هب لنا من أزواجنا و ذريتنا قرة أعين و جعلنا للمتقين إمام)).
و لقد توصل بعض الباحثين في مشكلة الزواج إلى أسباب كثير كانت هي الجبل الذي يصعب صعوده على من يريد الزواج :
[BLINK]أولها :[/BLINK] تلكم العادات الشنيعة, التي تخرب بيت الأب و بيت الخاطب معا, وليس فيها نفع لأحد, و إنما هو التفاخر و التكاثر, و التسابق إلى التبذير والسرف, و لو سئل كثير من العزاب اليوم, ما منعكم من الزواج ؟ لكان جواب الكثير منهم بصوت واحد : غلاء المهور, غلاء المهور, غلاء المهور الذي أدى بالناس إلى الازدواجية في الحياة, ففئام من الناس يعيشون كأنهم في عصر لم يأت بعد, فكيف إذا يلتقي الزوجان و بينهما عصر مديد, هو يعيش كفافا و أهل الزوجة يعيشون إسرافا, هو يريد الزواج و أهلها يريدون الفخر و المباهاة.
جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه و سلم فقال : إني تزوجت امرأة من الأنصار فقال له النبي صلى الله عليه و سلم : على كم تزوجتها قال: على أربع أواق - يعني مائة و ستين درهما فقال له النبي صلى الله عليه و سلم : على أربع أواق !!!! كأنما تنحتون الفضة من عرض هذا الجبل ما عندنا ما نعطيك رواه مسلم.
قال الخليفة الراشد عمر بن الخطاب رضي الله عنه لما تولى امر المسلمين و رأى مغالاة بعض الناس في المهور صعد ذات يوم المنبر فخطب في أصحاب النبي صلى الله عليه و سلم خطبة بليغة جاء فيها : أيها الناس, لا تغالوا في صدقات النساء فإنها لو كانت مكرمة في الدنيا أو تقوى عند الله لكان أولاكم و أحقكم بها رسول الله صلى الله عليه و سلم , ما اصدق امرأة من نسائه و لا أصدقت امرأة من بناته أكثر من ثنتي عشرة أوقية- يعني خمسمائة درهم- و إن الرجل ليغلي بصدقة المرأة حتى يكون لها عداوة في نفسه و حتى يقول : قد كلفت إليك عرق القربة.
و قال شيخ الإسلام ابن تيمية : و ما يفعله بعض أهل الجفاء و الخيلاء و الرياء من تكثير المهر للرياء و الفخر و هم لا يقصدون أخذه من الزواج, و هو ينوي أن لا يعطيهم إياه : فهذا منكر قبيح, مخالف للسنة, خارج عن الشريعة.
و هنا نذكر الصابوني يرحمه الله إذ يقول : لم يقل الرسول عليه الصلاة و السلام إذا جاءكم من يملك الملايين من الجنيهات أو صاحب العمارات و السيارات أو ابن فلان, و فلان, و إنما قال : من ترضون دينه و خلقه, فالدين و الخلق هما الأصل و الأساس في أمر الزواج, و المال أمر ثانوي ليس له دخل في السعادة الزوجية.
كما قال الشاعر :
و لست أرى السعادة جمع مــــــــــال ولكن التقي هو السعيد
[BLINK][BLINK]ثانيها : [/BLINK][/BLINK]قلة الدين و تغيب العفاف الذي أدى ببعض المجتمعات في كثير من البقاع إلا من رحم ربي إلى إقرار الاختلاط بين الجنسين, و الذي أصبح وسيله ناجحة لإطلاق عنان الغرائز, ليعيش الشباب لصوصا على أعراض الناس, يكتفون باختلاس النظرة, و استجداء اللحظة, و سلك مسالك الغش و التضليل, التي غفل عن خطرها كثير ممن حرم هداية الله.[BLINK]
[BLINK]ثالثها :[/BLINK] ما يردده بعض أرباب الأفكار اللقيطة, الذين ينفثون سمومهم عبر قنوات متعددة يقررون من خلالها أن التبكير في الزواج عمل غير صالح, وضرب من التغرير بالمراهقين, و أنه لا ينبغي أن يغامر الفتى بعملية الزواج قبل التزود الكافي من التجارب, كبرت كلمة تخرج من أفواههم أن يقولونا إلا كذبا
و في ذلك قال قائلهم : لا قبل لي بهذا المعنى الذي يسمونه الزواج, فما هو إلا بيت ثقله شيئين, على الأرض, و على نفسي, و أطفال يلزمونني عمل الأيدي الكثيرة, من حيث لا أملك إلا يدين, اثنتين و أتحمل منهم رهقا شديدا, و من ثم سيصبحون عالة على المجتمع, و من الذي تعرض عليه الحياة سلامها و أشواقها, في مثل رسالة غرام, ثم يدع ذلك كله و يتزوجها, فكأنه بذلك يسألها غضبها و خصامها, نحو قضية من قضايا المحاكم, كل ورقة فيها تلد ورقة.
و طبيعي أن يكون لمثل هذا الصدى مريدون و مريدات, يضعون مثل هذه الترهات في مقام القداسة و التعظيم, حتى يقف بهم الأمر لأن يكون الواحد منهم خوارا جبانا, لا يستطيع أن يحمل أثقالا مع أثقاله, و يستوطن العجز و الخمول, فلا يكون إلا قاعد الهمة, رخو العزيمة.
و كل شاب تلك حاله, فهو حادثه ترتدف الحوادث و تستلزمها و لا يأتي السوء إلا بمثله أو بأسوأ منه, فيشهد العزب على نفسه, أنه مبتلى بالعافية, مستعبد بالحرية, مجنون بالعقل, مغلوب بالقوة, شقي بالسعادة.
و ما علم هؤلاء أن رسول الله صلى الله عليه و سلم ألجمهم بقوله : يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج و من لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء. رواه الجماعة و قال تعالى (( و أنكحوا الأيامى منكم و الصالحين من عبادكم و إمائكم إن يكونوا فقراء يغنهم الله من فضله و الله واسع عليم)) قال أبو بكر رضي الله عنه : اطيعوا الله فيما امركم به من النكاح ينجز لكم ما وعدكم به من الغنى.
و قال ابن عباس رضي الله عنهما : رغبهم الله في التزويج, و أمر به الأحرار و العبيد, و وعدهم عليه الغنى, فقال (( أن يكونوا فقراء يغنهم الله من فضله))
و عن ابن مسعود رضي الله عنه قال : و التمسوا الغنى في النكاح يقول الله تعالى (( أن يكونوا فقراء يغنهم الله من فضله)) و قد زوج رسول الله صلى الله عليه و سلم ذلك الرجل الذي لم يجد إلا إزاره, و لم يقدر على خاتم من حديد, و مع هذا فزوجه بتلك المرأة, و جعل صداقها عليه أن يعلمها ما يحفظ من القرآن.
و عن عقبة بن عامر رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : خير النكاح أيسره. و في رواية أحمد : إن أعظم النكاح بركة أيسره مؤنه.
هذا و اصلي و اسلم على خير البرية و ازكي البشرية جمعاء , محمد بن عبدالله بن عبدالمطلب سيد المرسلين, و أمام الغر المحجلين, اللهم صل و سلم و بارك على محمدا و على آله و صحبه و سلم ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
اتمنى اني قد وفقة في تبسيط الموضوع ونساءالله ان يغنينا بحلاله عن حرامه
اخوكم : السهل الممتنع
ولكم تحياتي |